|
إنّ رغبة المعجبين التي لا تهدأ
في التقاط صورة أو صور لهم مع
ممثّليهم المفضّلين من المشاهير؛
الذين يشكّل التصوير معهم أقصى
حلم لأولئك المتيّمين، قد يبلغونه
في حياتهم، إضافة إلى الفوز
بتوقيعهم أو أثر من آثارهم، ليبقى
دائم التذكير لهم بهم.. ليباهي
بها هذا المعجب أو ذاك أو ليفتخر
في مجلس ما أنّه قد حاز صورة أو
توقيعاً أو أثراً من قدوته. في
حين أنّ الشخصيّة المشهورة، سواء
كان فنّاناً أو كاتباً أو ممثّلاً
أو مخرجاً، عندما توافق على
التصوير أو التوقيع أو منح شيء ما
بسيط، كهدية تذكاريّة إلى أحد
المعجبين، يكون ذلك من باب
التواضع أو مشاركة المعجبين
بالتقرّب منهم، وعدم الترفّع عن
تلبية مطلب صغير غير مضرّ لهم..
وهذه الحالة تكاد تكون عامّة
ومنتشرة على نطاق واسع، وليس فيها
ما يشين أو ينقص من هيبة الشخص
ولا من تقديره واحترامه، بل على
العكس من ذلك، فإنّ ذلك يظهره
بمظهر الكبير، الرحب الصدر الذي
يحنّ على أشياعه ومعجبيه. وقد
يتّخذ البعض من الصور الملتقطة مع
القادة أو الزعماء كجواز سفر أو
تذكرة مرور، عندما يشهرها كبطاقة
عدم تعرّض في وجه مَن قد يعترضه
مُسائلاً أو مستجوباً.. لتكون
الصورة كفيلة بالإجابة على
الأسئلة كلّها..
فلنترك التعميم، لنلج الباب
الأضيق، وهو التقاط الصور مع كبار
الكتّاب، من قبل المبتدئين
بالكتابة، أو هواتها، أو
متكلّفيها، أو المهرولين وراء
سرابها، فنجد بين الحين والآخر
أحدهم يحمل في جزدانه صورة تجمعه
مع أحد الكتّاب أو الشعراء
الكبار، يعرضها ببساطة وعفويّة
يحرص كثيراً على ألاّ تظهر
متكلّفة، رغم أنّها لَكذلك، ليوهم
أنّه على علاقة قويّة مع هذا
الكاتب أو ذاك، وأنّه قد جمعتهم
معاً سهرات وسَكرات، تبادلوا
خلالها الأنخاب، ووجهات النظر حول
قضايا حسّاسة تشغل مختلف الأوساط،
وأدلى كلّ منهم بدلوه فيها. ويكون
في ذلك استعراضيّاً مكشوفاً، إذ
يضع نفسه في موازاة ومساواة مع
«صديقه» في الصورة..
وقد تكرّرت هذه الحالة أكثر من
مرّة، فقد وجدنا أحدهم يحمل صورة
له مع سليم بركات، قام بتجليدها،
ويحملها معه كهويّة شخصيّة
يستعرضها في كلّ مكان يدخل إليه،
كما كبّر منها نسخة وعلّقها في
صدر بيته، لتتكلّم الصورة للزوّار
بدلاً عنه، في حين أنّه سيردّ على
الأسئلة التي تتعلّق «بصديقه».
كما أنّ هناك مَن له صورة في
شارعٍ ما مع الراحل الكبير محمود
درويش، يقوم بنشرها مع مقالة له
في تأبين الشاعر، أو في ذكراه،
ليقوم بمناجَياته له، وتبدأ
بصديقي، وسرد للذكريات المشتركة،
ولا تنتهي عند رفع التكلفة دون
حفظ للألقاب، حيث تكون الكلفة
مرفوعة والعتب مُلغىً. (لأنّ ذلك
ما تصرّح به الصورة الكفيلة بأكثر
من ذلك). ثمّ نجد ثالثاً يخرج
صورة له مع الشاعر عبّاس بيضون،
وهو جالس معه على طاولة مع عدد من
الجالسين، يقرّب في حركة مصطنعة
كتفه من كتف الشاعر بيضون، ليوهم
نفسه قبل الآخرين، بصداقته
الطويلة معه، وقربه الكبير منه،
وأنّه يمون عليه، وبينهما كلام
وسلام جميل. ورابع ينشر الصورة
التي يظهر فيها مبتسماً، تلك
الصورة التي تجمعه مع كاتبة يحرص
على أن يعظّمها، ليتعظّم بتعظيمه
لها.. ثمّ يتوالى الأدعياء
والملفّقون، في حين يبقى الكبار
عفويّين في سلوكيّاتهم..
وهكذا تتكرّر الحالات وتتفشّى،
حيث البعد الجغرافيّ يساهم بدوره
في محاولة الإقناع، فالبعيد
غالباً ما يجهل الظروف التي
يعيشها الآخرون.. وهذا ما يخلق
أرضيّة مناسبة للتلفيق من قبل
الملفّقين الصغار، ومتوهّمي
الصداقات، فمن عادة الكبار أن
يتسامحوا ويتواضعوا مع معجبيهم،
ولا ذنب لهم إن استغلّ هذا الدعيّ
أو ذاك صورتهم المشتركة ليفوز
بكأسٍ هنا أو عشاء هناك. ثمّ
ليضيف إلى حقيقة الصورة، زعم
حيازة أرقام هواتفهم، فيقول
مدّعياً لمجالسه: «هل أن تريد أن
تكلّمهم..؟!»، ويكون من شأن هذا
المقترح أن يربك الأناس
العاديّين، فيبصمون لهم بالعشرة
على صداقتهم المتينة معهم،
ويتّخذون على عاتقهم الدعاية لهم
على أنّهم شعراء وكتّاب لا يقلّون
عن «أصدقائهم».
تستمرّ الصور، ويستمرّ وهم
الصداقات عند الصغار الأدعياء،
ولا تنتقل العدوى إلى المعجبين
الحقيقيّين لأنّهم لا ينوون من
خلال تصوّرهم مع معجبيهم
الاستعراض والمفاخرة، بل يرومون
تخليد لحظات جميلة تبقيهم سعداء
لأنّهم حقّقوا بغيتهم وتواصلوا مع
قِداهم من المشاهير..
صحيفة تشرين/ الملف
الثقافي/ 15/11/2008م
|